حسن الأمين

189

مستدركات أعيان الشيعة

الموصل ، والتي استمرت من سنة 367 إلى ذي الحجة سنة 368 عندما رجع عضد الدولة إلى بغداد . ثم زادت منزلته ارتفاعا لدى رؤساء الدولة فنراه يتولى عقد قران الخليفة الطائع لله على بنت عضد الدولة ، وذلك في سنة 370 . لقد كان لهذا الزواج أهمية كبيرة بنظر عضد الدولة ، فهو يزيد في سطوته ويجعل حكمه أكثر رسوخا باقتران الخليفة الطائع من ابنته . كما أنه كان يؤمل أن تضع ابنته مولودا ذكرا فيعهد اليه بالخلافة وبذلك تتحول السلطة إلى البويهيين . ونجاح التنوخي في مسعاه من تزويج الخليفة بابنة عضد الدولة زاده اقترابا من الخليفة أولا ومن عضد الدولة ثانيا ، ومن ثم بروزه في المجتمع العباسي لا بل بروزه بين أقرانه من الخاصة أنفسهم مما أثار حسدهم إضافة إلى حسد أعدائه وجعلهم جميعا يترصدون حركاته للإيقاع به عند أول بادرة . المرحلة الثالثة من حياته ثم دخلت حياته مرحلة جديدة ابتداء من سنة 371 وذلك أنه ذهب مع عضد الدولة مرة ثانية إلى همذان ، وكان في نية عضد الدولة أن يقضي الشتاء هناك بغية القبض على أبي القاسم الصاحب بن عباد ، فلما سمع التنوخي بذلك لم يكتم الأمر وتحدث به ، ولم يمهله خصومه بل أسرعوا في نقل حديثه إلى عضد الدولة على اعتبار ان إشاعة الخبر إنذار لابن عباد ، ومن ثم إفساد لخطة عضد الدولة . فدعاه عضد الدولة وبعض من كان قد حدثهم وسألهم عن الأمر فأنكروا ، لكن عضد الدولة حقد عليه فأرسل اليه من يقرعه بقوله « ألم تكن صغيرا فكبرناك ومتأخرا فقدمناك وخاملا فنبهنا عليك ، ومقترا فأحسنا إليك فما بالك جحدت نعمتنا وسعيت في الفساد على دولتنا » . ولما رجعوا إلى بغداد رآه عضد الدولة على بغلة وعليه ثياب جميلة فسأله عنها فأجابه بان الصاحب بن عباد أرسلها اليه مع عشرين ثوبا وسبعة آلاف درهم . فلم يتمالك أن عرض به قائلا « هذا قليل مما تستحقه » مشيرا إلى فضحه أمر القبض على ابن عباد . ثم شاءت الظروف أن يجافي الخليفة ابنة عضد الدولة ، فيرسل الأخير إلى التنوخي يوسطه في الأمر ، الا أن التنوخي تمارض ولم يذهب فلما علم به عضد الدولة عاقبه بلزوم داره وعدم مبارحتها وعدم السماح له باستقبال الضيوف الا القليل . ثم أرسل اليه رجلا يطالبه بعشرة آلاف درهم كان قد استلفها من اقطاعه . واستمر عضد الدولة يلاحقه [ الا ] إلى أن توفي سنة 373 . ويبدو ان التنوخي هرب من بغداد إلى البطيحة نتيجة لهذه الملاحقة وانه اكتفى بالتلميح دون التصريح عند قوله بان نكبة لحقته فالتجأ عند أمير البطيحة ابن شاهين . واستمر متخفيا فيها مدة أربعة أشهر ، حتى توفي عضد الدولة . ففرج الله عنه كما يقول . وعاد التنوخي إلى بغداد بعد وفاة عضد الدولة مباشرة سنة 373 وسكن في شارع دار الرقيق . ليقضي فيها بقية حياته ، بعيدا عن الترف والنعيم ، بعيدا عن الجاه والسلطان . وقد لاقى في هذه الفترة عسرا شديدا ، فلم يكن له مال يعول عليه إذ مات أبوه مدينا كما رأينا ولم يخلف له شيئا ، ولعله في هذه الفترة من حياته بدأ بالتحديث وتأليف كتابيه « المستجاد » و « الفرج » وإكمال كتابه « النشوار » الذي بدأه سنة 360 كما سنرى . وركن إلى الاستقرار بعد حياة مليئة بالحركة والتنقل مما لم تتح له فيها الكتابة ، ومن جهة أخرى فان انصرافه إلى التحديث والتأليف كان أمرا لا بد منه لكي يدبر أمر معاشه . وإلى هذه الفترة من حياته تعود شكواه من زمانه وحكام زمانه التي بثها في كتبه ، واصفا إياهم بالجهل عن تثمين النتاج الجيد وبالبخل الذي جعلهم يسمونه ( احتياطا ) و ( إصلاحا ) ، ومقارنة الماضي التليد بهذا الحاضر الذي فقدت فيه المكارم ، وكثرت المحن والمغارم . وإلى هذه الفترة من حياته أيضا يعود تذكره للمحن التي لحقته والتي كتب الله له النجاة منها ، فدونها في كتبه عبرة للناس وموعظة . وأخيرا انتهت حياته ببغداد في يوم الاثنين في الخامس والعشرين من محرم سنة 384 عن عمر يناهز السادسة والخمسين . شيوخه كانت عائلة التنوخي ، عائلة علم وأدب ، فأثرت في نشأته وتوجيهه فكان أبوه أول مؤدب له . لهذا رأيناه يروي عنه في كتبه كما في الفرج بعد الشدة . وفي النشوار . وأول خبر وردنا عن [ تلفيه ] تلقيه الدروس كان في سنة 333 وكانت تلك الدروس هي الحديث . حيث كان عمره إذ ذاك ست سنوات ولا نعلم أن كانت هذه الدروس قد تلقاها عن أبيه ، أم انه تلقاها عن غيره . ولم تردنا معلومات عن معلميه ومؤدبيه الأوائل في الكتب التي تعرضت لذكر ترجمته ، الا انه ذكر بعضهم عرضا وباقتضاب شديد كقوله عن معلم له سماه أبا جعفر انه كان يعلمه وبعض الصبيان في الكتاب الشعر . ثم ذكر في موضع آخر أحد مؤدبيه ناقلا عنه رواية في كتاب النشوار بقوله « حدثني محمد ابن الفضل بن حميد الصيمري مؤدبي قال » لذلك لا نعرف مدة تلقيه الدروس على هؤلاء المعلمين والمؤدبين ، ولا طريقة التدريس ولا مادة الدرس نفسها باستثناء ما جاء عن تعلمه الشعر . أما شيوخه الذين سمع منهم فقد اختلفوا حسب الأماكن التي عاش فيها . فقد ذكر الخطيب البغدادي انه سمع بالبصرة من : 1 - واهب بن يحيى المازني . 2 - الحسن بن محمد بن عثمان النسوي . ولم نستطع العثور على ترجمتهما فيما تيسر لنا من المصادر . 3 - أبي العباس الأثرم : وهو محمد بن أحمد بن أحمد بن حماد بن إبراهيم بن تغلب بن الشد الأثرم من أهل البصرة ومن ساكنيها . ولد بسر من رأى سنة 240 وتوفي سنة 336 وقد أثنى عليه فقيل « الأثرم الخياط المقرئ شيخ ثقة فاضل » . وقد روى التنوخي عنه حديثا في كتاب الفرج . 4 - محمد بن يحيى الصولي : هو محمد بن يحيى بن العباس الصولي من الأدباء الظرفاء والجماعين للكتب ، نادم من الخلفاء الراضي والمكتفي والمقتدر . وعاش إلى سنة 330 ثم توفي مستترا بالبصرة ، لأنه كما قيل روى خبرا في علي بن طالب فطلبه الخاصة والعامة لقتله . وكان له عدة كتب ، وقد ذكر لنا التنوخي انه حضر بعض مجالس الصولي فسمع بعض كتبه تتلى عليه مثل كتاب الوزراء ، الذي روى عنه التنوخي ما كان سمعه في كتاب الفرج . وقد روى التنوخي عن الصولي في كتاب ( المستجاد ) روايتين عن خالد ابن يزيد الكاتب . وروى عنه في كتاب ( الفرج ) عدة روايات بعضها نقلها من كتبه ، وقد أجازه عليها . وبعضها الآخر أخذها مشافهة أو سماعا في أثناء حضوره مجالسه . 5 - أبو بكر بن داسة : وهو أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق بن داسة التمار الداسي البصري . وكان شيخا ثقة روى عن أبي داود السجستاني أكثر كتاب السنن ، أما الباقي منه فقد رواه عنه إجازة أو